الشيخ محمد زاهد الكوثري
171
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )
أحدهما : أن يقال لهم : ما أنكرتم أن تكون هذه الآية حجة عليكم ، وذلك أن كل عاقل يقول : إن المشرك لا يسمع كلام اللّه بلا واسطة ، وهي قراءة القارئ ، فلا بد من وجود القراءة التي هي حروف وأصوات ، فيحصل لهذا المشرك السماع حينئذ لكلامه تعالى ، فحصل معنا عند ذلك مسمع أسمع كلام اللّه بإسماع أوجده ، وهي قراءته التي هي حروف وأصوات ، ومسموع وهو كلام اللّه تعالى الذي لا يجوز أن يكون حروفا وأصواتا ، لأن الحروف والأصوات يتقدم بعضها على بعض ، وصار هذا بمنزلة من أسمعنا اللّه بذكره ، بأن قال : يا اللّه . قلنا : حصل معنا مسمع وهو الذاكر ، وإسماع أسمعنا به المسموع ، وهو المذكور ، فالإسماع يقع بحروف وأصوات ، فيجوز لكل أن يقول : إن اللّه المذكور هو حروف وأصوات « 1 » . الجواب الثاني : أن المراد بهذه الآية ما هو سماع الحروف والأصوات إنما المراد بهذه الآية : حتى يتدبر كلام اللّه ويفهم ما فيه . لعله يرجع عن شركه ويهتدي ، فالحروف والأصوات لا تهدى ، إنما الذي يهدى هو القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى . دليله : قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] . جواب ثالث : وهو أن يقال لهم : إذا كان الكلام القديم أصواتا وحروفا . والكلام المخلوق الذي من الشعر والخطب أصواتا وحروفا ، فقد صار الكلام القديم كالكلام المخلوق ، وهذا القول يوجب أن يكون كل كلام قديم أو محدث [ سواء ] لأن الحرف والصوت في قول القائل إذ أخبر عن قول اللعين فرعون : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النّازعات : 24 ] فاعبدون ، فصورة الحروف في قول فرعون أنا ربكم ، كصورتها في قراءة القارئ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 92 ] ، فصحّ أن الحروف والأصوات ليست [ كلام ] فرعون ، ولا الرب تعالى ، فالحرف والصوت يعبر به عن كلام فرعون ، ويقرأ به كلام اللّه تعالى ، فصحّ ، أن الحرف والصوت أداة يقرأ بها الكلام القديم ، لا أن الحرف والصوت نفس الكلام القديم . جواب رابع : وهو أن يقال لهم : خبرونا عن قولكم إن اللّه تعالى متكلم بأصوات وحروف ، أهي هذه الحروف والأصوات الجارية الدائرة في سائر كلام الخلق ، أو غيرها ؟ فإن قالوا : هي هذه فقد جعلوا جميع كلام الخلق قديما كله ؛ وإن قالوا : بل هي غير هذه الحروف والأصوات الجارية في كلام الخلق . قلنا : فصحّ
--> ( 1 ) يعني الاسم المسمى ( ز ) .